محمد حسين هيكل
89
حياة محمد ( ص )
من قبل ، بل لقد زاده جاها بينهم ومكانة فيهم ، وزاده لذلك تواضعا على جمّ تواضعه . فلقد كان على عظيم ذكائه وظاهر تبريزه حسن الإصغاء إلى محدّثه لا يلوي عن أحد وجهه ، ولا يكتفي بإلقاء السمع إلى من يحدّثه ، بل يلتفت إليه بكل جسمه . وكان قليل الكلام ، كثير الإنصات ، ميّالا للجدّ من القول ، وإن كان لا يأبى أن يشارك في مفاكهة وأن يمزح ثم لا يقول إلا حقّا . وكان يضحك أحيانا حتى تبدو نواجذه . فإذا غضب لم يظهر عليه من أثر الغضب إلا نفرة عرق بين حاجبيه . ذلك أنه كان يكظم غيظه ولا يريد أن يظهر غضبه ، لما جبل عليه من سعة الصدر وصدق الهمة والوفاء للناس ، ومن البر والجود وكرم العشرة ، وما كان عليه إلى جانب ذلك من ثبات العزيمة وقوة الإرادة وشدة البأس ومضاء التصميم مضاء لا يعرف التردد . وهذه الصفات مجتمعة فيه كانت ذات أثر عميق في كل من اتصل به ، فمن رآه بديهة هابه ، ومن خالطه أحبّه . فما كان أعظم أثرها إذا فيما اتسق بينه وبين خديجة الزوجة الوفيّة من مودة صادقة ووفاء كامل ! إعادة بناء الكعبة لم ينقطع محمد عن مخالطة أهل مكة والأخذ معهم بنصيب في الحياة العامة ، وكانوا يومئذ في شغل بما أصاب الكعبة ؛ فقد طغى عليها سيل عظيم انحدر من الجبال فصدع جدرانها بعد توهينها . وكانت قريش من قبل ذلك تفكر في أمرها . فهي لم تكن مسقوفة وكانت لذلك عرضة لانتهاب السارقين ما تحتوي من نفائس . لكن قريشا كانت تخشى إن هي شيدت بنيانها ورفعت بابها وسقفتها أن يصيبها من ربّ الكعبة المقدّسة شرّ وأذى . فقد كانت تحيط بها في مختلف عهود الجاهلية أساطير تخيف الناس من الإقدام على تغيير شيء من أمرها ، وتجعلهم يعتبرون ذلك بدعا . فلما طغى عليها السيل لم يكن بدّ من الإقدام ولو في شيء من الخوف والتردد . وصادف أن رمى البحر إذ ذاك بسفينة قادمة من مصر مملوكة لتاجر ورمى اسمه باقوم فحطمها . وكان باقوم هذا بنّاء على شيء من العلم بالنجارة . فلما سمعت قريش بأمره خرج الوليد بن المغيرة في نفر من قريش إلى جدّة ، فابتاعوا السفينة من الرومي وكلّموه في أن يقدم معهم إلى مكة ليعاونهم في بناء الكعبة ؛ وقبل باقوم . وكان بمكة قبطيّ يعرف نجر الخشب وتسويته ؛ فوافقهم على أن يعمل لهم ويعاونه باقوم . هدم الكعبة وبناؤها ثم إن قريشا اقتسمت . جوانب أربعة ، لكل قبيلة جانب تقوم بهدمه وبنائه . ولقد تردّدوا قبل هدمها مخافة أن يصيبهم أذى ، ثم أقدم الوليد بن المغيرة في شيء من الخوف ، فدعا آلهته وهدم بعض الجانب من الركن اليماني . وأمسى القوم ينتظرون ما اللّه فاعل بالوليد . فلما أصبح ولم يصبه شيء أقدموا يهدمون وينقلون الحجارة ، ومحمد ينقل معهم ، حتى انتهى الهدم إلى حجارة خضر ضربوا عليها بالمعول فارتدّ عنها ؛ فاتخذوها أساسا للبناء فوقه ، ونقلت قريش أحجار الجرانيت الأزرق من الجبال المجاورة وبدأت في البناء . فلما ارتفع إلى قامة الرجل وآن أن يوضع الحجر الأسود المقدّس في مكانه من الجانب الشرقيّ ، اختلفت قريش أيهم يكون له فخار وضع الحجر في هذا المكان . واستحرّ الخلاف حتى كادت الحرب الأهلية تنشب بسببه . تحالف بنو عبد الدّار وبنو عدي أن يحولوا بين أية قبيلة وهذا الشرف العظيم ؛ وأقسموا على ذلك جهد أيمانهم . حتى قرّب بنو عبد الدار جفنة مملوءة دما وأدخلوا أيديهم فيه توكيدا لأيمانهم ، ولذلك سموا « لعقة الدم » . فلما رأى أبو أميّة بن المغيرة المخزوميّ ما صار إليه أمر القوم ، وكان أسنّهم وكان فيهم شريفا مطاعا ، قال لهم : اجعلوا الحكم فيما بينكم أوّل من يدخل من باب الصّفا . فلما رأوا محمدا أوّل من دخل قالوا : هذا الأمين رضينا بحكمه . وقصّوا عليه قصتهم ، وسمع هو لهم ورأى العداوة تبدو في عيونهم ، ففكر قليلا ثم قال : هلمّ إليّ ثوبا ، فأتى